أبي حيان التوحيدي

53

المقابسات

الحسن بن أبي الحسن البصري « 1 » - فلقد كان من درارى النجوم علما وتقوى ، وزهدا وورعا ، وعفة ورقة ، وتألها وتنزها ، وفقها ومعرفة ، وفصاحة ونصاحة ؛ مواعظه تصل إلى القلوب ، وألفاظه تلتبس بالعقول ، وما أعرف له ثانيا ، لا قريبا ولا مدانيا ؛ كان منظره وفق مخبره ، وعلانيته في وزن سريرته ، عاش سبعين سنة لم يقرف بمقالة شنعاء ، ولم يزن « 2 » بريبة ولا فحشاء ، سليم الدين ، نقى الأديم ، محروس الحريم ، يجمع مجلسه ضروبا من الناس ، وأصناف اللباس ، لما يوسعهم من بيانه ، ويفيض عليهم بافتنانه ؛ هذا يأخذ عنه الحديث ، وهذا يلقن منه التأويل ، وهذا يسمع منه الحلال والحرام ، وهذا يتبع في كلامه ، وهذا يجرد له المقالة ، وهذا يحكى له الفتيا ، وهذا يتعلم الحكم والقضاء ، وهذا يسمع الموعظة ، وهو في جميع ذلك كالبحر العجاج تدفقا ، وكالسراج الوهاج تألقا ؛ ولا تنس مواقفه ومشاهده بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، عند الأمراء وأشباه الأمراء ، بالكلام الفصل ، واللفظ الجزل ، والصدر الرحب ، والوجه الصّلب ، واللسان العضب ، كالحجاج « 3 » وفلان وفلان ، مع شارة الدين ، وبهجة العلم ورحمة التقى ، لا تثنيه لائمة في اللّه ، ولا تذهله رائمة عن اللّه ، يجلس تحت

--> ( 1 ) أنشأنا له ترجمة مستفيضة في كتابنا « الجاحظ وآثاره وشيوخ المعتزلة ومذاهبهم » الذي سيصدر إن شاء اللّه قريبا . وقد نشرنا خلاصة هذه الترجمة بجريدة السياسة الأسبوعية بعددها الصادر في 15 ديسمبر سنة 1928 ( 2 ) لم يزن : لم يتهم ( 3 ) هو الحجاج بن يوسف الثقفي ، أسد الدولة المروانية وموطد دعائمها ، ومحكم أساسها ، ولولا مواقفه المشهودة . وسياسته المحكمة ، لاكتسح الخوارج دولة بنى مروان ، ولأصبحت في خبر كان ، وله حوادث وأخبار هي زينة الأدب العربي . توفى سنة 95 ه .